الكاتب السعودي عبدالله بن بخيت: صحافتنا لم تتعرض للانهيار لأن الجزء الأساسي منها لم يُوجد أصلاً!

الكاتب السعودي عبدالله بن بخيت: صحافتنا لم تتعرض للانهيار لأن الجزء الأساسي منها لم يُوجد أصلاً!

- ‎فيآراء وتحليلات
31818

عبدالله بن بخيت*

في زمن مضى أثناء احتدام دوري كرة القدم نتجمع شلة شباب قبل المباراة بساعات ونفرش الصحف السعودية على الأرض ثم نقرأ بصوت عال تعليقات الصحفيين والحوارات التي أجريت مع الإداريين والحكام وتوقعات نتيجة المباراة. لا أظن أن أياً من الشباب اليوم سيقتني جريدة ليقرأ ما تقوله الصحف عن المباراة. اختفت الأوراق من حياة الجيل الجديد بيد أن المباريات لم تختف بل إن عدد المباريات زاد في اليوم الواحد وزاد عليها تيسر المباريات العالمية. هذه الحادثة الجسيمة التي ألمت بالصحف تؤكد أن واحداً من الأركان التي قامت عليها الصحف انهار. يـأتي بعد الصفحات الرياضية مقالات الرأي ثم الأخبار وأخيراً الإعلان. اعتدنا على هذه الأركان الأربعة سنوات طويلة حتى أصبحت هي عمود تعريفنا لكلمة صحافة.

قبل سنوات أطلق رجل عدة أعيرة نارية على عدد من المتسوقين في واحد من أكبر مراكز التسوق في مدينة تورونتو الكندية. كان خبراً مهماً في الصحف في حينها، ولكنه اختفى بعد عدة أيام ليظهر مرة أخرى في الصحف عندما أعلن المدعي العام أن الادعاء وجه تهم القتل والشروع في القتل وعدداً من التهم الأخرى ثم اختفى ليظهر مرة أخرى في الصحف عندما بدأت محاكمة المتهم. بعد أشهر ظهر مرة أخرى في الصحف بعد أن أصدر القاضي حكمه على المتهم. ثم اختفى ليظهر مرة أخرى بعد أن ميزت محكمة الاستئناف وأكدت الحكم. بيد أنه في هذه المرة بقي على صفحات الجرائد يتدارس المختصون نوعية الحكم وطبيعته ومدى اتفاقه مع حجم الجريمة، فتبين لي أن القانون شيء وما أعرفه ويعرفه عامة الناس عن القانون شيء آخر. لن تنتهي الصحف من متابعة القضية. بعد عدة سنوات سوف تظهر القضية على صفحات الجرائد مرة أخرى عندما يقف المدان أمام لجنة العفو، فإذا أطلق سراحه تكون القضية انتهت وإذا رفضت اللجنة إطلاق سراحه فنحن على موعد بعد سنوات أخرى لنقرأ تفاصيل خبر إطلاق سراحه.

نقرأ في الصحف المحلية أخبار إلقاء قبض أو تنفيذ أحكام شرعية. تنشر الصحف الحادثة مرة واحدة وبنفس الصيغة التي كتبتها العلاقات العامة في الجهة ذات الصلة ثم تختفي إلى الأبد. مهما كان حجم الحادثة لا تتعدى مساحتها في الصحيفة أكثر من خمسة أو ستة أسطر.

الصحافة ليست خبراً أو رأياً فقط هي متابعة الأحداث واستقصاء تطورها حتى تصل إلى نهايتها التامة. يهمني أن الشرطة ألقت القبض على المفحط ولكن يهمني أكثر ما الذي جرى للمفحط وما هي العقوبة التي نالها. يهمني أعرف أن جسراً سقط ولكن يهمني أكثر أن أعرف ما هي الإجراءات التي اتخذت وما هي العقوبة التي نالها المتسبب وكم الكلفة وكم المدة التي سوف يستغرقها إعادة بنائه والطرق البديلة المؤقتة التي سوف أسلكها. هذا هو دور الصحافة أو بالأصح هذه هي الصحافة. عملية استقصائية ترفع وعي الناس بالقانون وبالعلم والأحداث السياسية الخ.

في الواقع ما حدث للصحف هو تبعثر أشياء لم تكن تجد ما تجتمع فيه سوى الصحف. فالإعلان وجد وسائل أفضل وأرخص والأخبار وجدت مداخل أخرى والرياضة ذهبت إلى شاشات التلفزيون بمساندة السوشل ميديا وكتاب الرأي تلاشوا مع تلاشي الإعلان مصدر رزقهم الإضافي. لم يبق من الكتاب سوى الكتاب الطيبين المتطوعين الذين يكتبون لوجه الله.

عاشت الصحافة المحلية تفتقر للمهنية. النسبة العظمى من العاملين في صحفنا مجموعة من الهواة. المراسلون هواة والكتاب هواة حتى أنه في بعض الصحف وصل بعض المحررين إلى رتبة مدير تحرير دون أن يتفرغ للعمل الصحفي وكثير ممن يعمل متفرغاً هو في الواقع موظف أكثر منه صحفياً إما أن يطبق التعليمات والتوجيهات التي ترد إلى الجريدة أو يرتب ويفحص ويراقب ما ينتجه الهواة. الصحافة لم تنهر لأن الجزء الأساسي منها لم يوجد أصلاً.

*كاتب سعودي

-المقال نقلاً عن صحيفة عكاظ السعودية

فيسبوك

قد يعجبك أيضاً

هاني الظاهري يكتب عن “محلل سياسي حافظ مش فاهم”!

محلل سياسي “حافظ مش فاهم”! هاني الظاهري