حنان الحمد تكتب: هل سوق العمل السعودي بحاجة إلى مهارات بشرية خارقة؟!

حنان الحمد تكتب: هل سوق العمل السعودي بحاجة إلى مهارات بشرية خارقة؟!

- ‎فيآراء وتحليلات
23791

غير ملائم لسوق العمل

حنان الحمد

بين حين وآخر يُصدر مسؤولون ومختصون تصريحات تُجمع على أن “أبرز عائق لتوظيف المواطن السعودي هو عدم ملائمة مخرجات التعليم السعودي لسوق العمل السعودي”!!

عند التأمل في هذا التصريح يتبادر السؤال التالي لذهن المتلقي “هل سوق العمل السعودي يحتاج إمكانات بشرية خارقة ومهارات فوق العادة؟ هل من يُطلق مثل تلك التصريحات ملائم للعمل الذي يقوم به الآن؟”، علما أن هؤلاء من مخرجات النظام التعليمي نفسه الذي يتهمونه بمخرجات لا تلائم سوق العمل الوطني، فقد تعلموا في السعودية والتحقوا بجامعاتها في وقت كانت تُقَدم فيه مغريات لأبناء المجتمع لإكمال تعليمهم الجامعي، فكانت نسبة 60 % لخريج المرحلة الثانوية كافية لتُدخله أفضل الكليات، عدا عن المنح المالية والسكنية التي يحصل عليها عند تخرجه، أما الوظيفة فلم يكن له منافسون عليها، بل كان يتم إحلالهم في وظائف الوافدين، ويتخير بين المناصب وأماكن التعيين دون عقبات أو منافسات تذكر، أما الفئة التي حظيت بنصيبها من الابتعاث وكلفت الدولة ملايين آنذاك، فقد كانوا أكثر حظا للوصول إلى مناصب قيادية وأكاديمية، ليعودوا إلى وظائفهم التي حفظت لهم سنوات طويلة، كان من السهل أن يحصل أحدهم على عقد استشارة أو عضوية لجان أو إعارة ليكون قياديا في أي جهة سواء حكومية أو خاصة دون أن يترك وظيفته الأساسية.

نعم كان ولا يزال هؤلاء يعيشون في رفاه بعيد كل البعد عن أي منافسة على وظيفة أو مكانة أو مقعد، ولعلهم ورّثوا هذه المكاسب لأبنائهم، لكنهم لم يخبروا بقية أبناء المجتمع ممن تمتعوا ببعض تلك الميزات والجيل الذي يليهم – الذي كان يعتبر جيل الإحلال في القطاعات الحكومية- بما سيواجهونه أبناءهم وبناتهم من تحديات للحصول على وظيفة الأحلام، إذ بدأت تظهر معضلة البطالة وكان استيعاب الجميع في التوظيف الحكومي – كضمان اجتماعي- مثقلا بالمواطنين والوافدين، فظهر ما يسمى إحلال جميع الوافدين في القطاع الحكومي بالمواطنين، وبالفعل نجحت بعض الوزارات في هذا ليُترك الباب مفتوحا على مصراعيه للوافدين لينتقلوا للعمل في القطاع الخاص، وكأن قطاعات التوظيف أصبحت محاصصة واجبة بين المواطن والوافد.

في هذه الأثناء ربت الأسر أبناءها وعلمتهم ليكون الهدف الأساسي لهم هو الحصول على وظيفة حكومية، نظرا للأمان الوظيفي والراتب المجزي وسهولة الحصول عليها، في الوقت نفسه كانوا متجاهلين ومحتقرين لوظائف القطاع الخاص – الذي حتى وإن اضطر أبناؤهم للعمل فيه يشترطون وظيفة إدارية إن لم تكن قيادية – وهذا ما عززه التعليم لدى الطلاب خاصة في مرحلة التعليم الجامعي، فعند سؤال الأبناء لبعض الأساتذة عن تخصص ما كانت الإجابة الحاضرة “المستقبل لتخصص كذا ” أو ” الشركات سوف تبذل الغالي والنفيس لتوظيفك بالراتب الذي تفرضه عليهم إن درست كذا”، عدا عن الرفاهية التي عاشها الأبناء داخل منازلهم مما جعلهم بعيدين كل البعد عن المستقبل الحقيقي وأرض الواقع.

إن ما يشاع بأن أبناءنا لا يلائمون سوق العمل كان حجة ليهرب هذا السوق من مسؤوليته تجاه أبناء الوطن، حيث يتوجب على أرباب العمل إعدادهم وتأهيلهم ليلبي احتياجاته منهم، وليتهرب من مسؤولية التحول من التعود على ثقافة الوافد إلى ثقافة المواطن وتبعات هذا التحول المادية والتنظيمية، لذا بدأ الهجوم على المخرجات الوطنية واتهامها بالضعف وعدم الملائمة فتعاملوا مع المواطن كآلات يجب تفصيلها على مقاس مصلحتهم.

كانت صدمة ثقافة سوق العمل قوية على الأبناء بسبب انتقالهم من العالم الوردي المليء بالمثالية المبالغة والرفاهية والوعود الوهمية – والتي رباهم عليها النظام الأسري والتعليمي والأكاديمي- إلى واقع سوق العمل، عالم لا يرحم والبقاء فيه للأقوى والأدهى وتسيطر عليه التكتلات وجماعات المصلحة والجماعات الضاغطة، عالم لا يعرف عنه الأبناء سوى أنهم تعاملوا معه كعملاء يعطونه مالهم ليحصلوا على خدمات أو منتجات، عالم زُج فيه الأبناء لتتفرد بهم كل تلك القوى، إذ اعتبرهم الجميع كائن ثقيل عليهم يجب التخلص منهم بشتى الوسائل.

لقد اعتقد البعض أن تجربة توطين القطاع الحكومي التي مرت بسلاسة دون معارك بقاء أو مصلحة يمكن تكرارها في توطين القطاع الخاص، لكن توطين القطاع الخاص تحول إلى قضية رأي عام وتحدي اقتصادي شرس ليزيد معضلة البطالة ويجعل الجهات المعنية بين مطرقة التوطين وسندان الإبقاء على الوافدين بل وزيادة أعدادهم، لأن لها رؤية مختلفة عما يعانيه أبناء الوطن ممن هم بحاجة للعمل.

إن إغفال الأسر تعليم أبنائهم أدوات المنافسة مع كل شعوب العالم أضرتهم كثيرا، فتلك الشعوب تحمل ثقافة قائمة على البقاء والتنافس الشرس وجماعات المصلحة وتعتبر استمرار وافد واحد في وظيفته هو استمرار للجميع وخسارته لوظيفته هو تهديد لهم جميعا في غير أوطانهم، هم مستعدون لتكييف طريقة عملهم بما يناسب صاحب العمل وما يرضيه بما يضمن استمراريتهم وجماعتهم، إذا المباراة غير عادلة بين مواطن يجهل أدوات المنافسة وطرق البقاء وبين منافس مسيطر ومنظم ومجهز ومستعد يعلم خفايا سوق العمل، لذا فالنتيجة لصالحه دائما.

كيف ننقذ أبناءنا؟

أذكر حديث إحدى الفاضلات عن قريبتها الشابة كيف أن وظيفتها متعبة، حيث يمتد دوامها من الثامنة صباحا وحتى الخامسة مساء، وكيف أن حياة هذا الجيل صعبة، وكم تمنت أن تمنحها وظيفتها التي تقاعدت منها -معلمة – حتى تنعم بالراحة والأمان الوظيفي والراتب المجزي، لذا على الأسر أن تنقذ أبناءها من الخسارة المبكرة التي قد تؤثر على معنوياتهم في أولى معاركهم في الحياة العملية، لابد من أن يشجعوهم على خوض غمارها مبكرا وليتخل الآباء عن عاطفتهم وأمنياتهم بأن ينعم الأبناء بالراحة التي عاشوها، فهناك قيم لابد أن يتعلمها الأبناء لتُخرجهم من عالم المثالية وكوكب زمردة إلى أرض الواقع، ليطلعوا على ثقافات من ينافسونهم في وطنهم وكيف يفكرون وما القيم المحركة لهم وما دوافعهم للقدوم إلى هذه الأرض وكيف ينظرون إليهم وما يشكله المواطنون بالنسبة لهم، يجب أن يتعرفوا على دوافع أصحاب العمل لتفضيل الموظف على الكفالة عن الموظف المواطن، ليتعلموا حقوقهم وواجباتهم ولماذا هو واجب على القطاع الخاص توظيف المواطن، وليعلموا أنهم سبب جزء من الدعم الذي تقدمه الحكومة لأصحاب العمل لتوظيفهم ، إن هذا كله مهم جدا لجميع الأبناء قبل أن يدخلوا سوق العمل لينجوا من المقاومة الشرسة ولينجحوا في مشروع تمكينهم في وظائف القطاع الخاص، فعندما يفكرون بعقلية منافسيهم سوف ينجحون في الحصول على استحقاقهم في الوظائف على أرض وطنهم إلى أن تأتي عصا موسى لتعدل الأنظمة والمواد التي سلمت مستقبلهم للقطاع الخاص دون تعديل لنسب ونوعية الوافد التي يحتاجها سوق العمل، أو أن يُطبق على المواطن نظام الكفالة وحقوق الوافدين حيث أنها أكثر وضوحا واستقرارا وظيفيا وتنظيما نظرا لقدم وجود الوافدين في هذا القطاع.

ختاما فإن زيارة واحدة على سبيل المثال لأسواق الحاسب الآلي في مدينة مثل الرياض يجعلك تدرك أيها المسؤول المتطلبات الحقيقة لسوق العمل والتي ليس من بينها عدم ملائمة مخرجات التعليم لهذا السوق، وللتذكير فأنت لم تولد ملبيا لمتطلبات منصبك في القطاع الحكومي، لذا ابحثوا عن حلول واقعية وتوقفوا عن تقاذف كرة البطالة!

فيسبوك

قد يعجبك أيضاً

سوسن مهنا تكتب: صراع الموانئ يخلط الأوراق بين الحلفاء والأعداء!

  تنازعت الحضارات منذ القدم على منطقة البحر