حنان الحمد تكتب: من وحي قصص الفاسدين.. “لماذا لا يخافون”؟!

حنان الحمد تكتب: من وحي قصص الفاسدين.. “لماذا لا يخافون”؟!

- ‎فيآراء وتحليلات
12937

“أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا” 

من وحي قصص الفاسدين “لماذا لا يخافون”؟

حنان الحمد*

 

كثيرة تلك المبادئ التي تربينا عليها وعززتها فينا الروايات والقصص والمسلسلات والأفلام ، والتي صورت لنا الحياة صراعا بين الخير والشر أبيض وأسود دون أي منطقة رمادية بينهما.

كثيرون هم من تكون لديهم مبادئ ونظريات يحكمون من خلالها على الآخرين دون أن يمروا بتجربتهم، ولذلك خرج لنا منظرون لاحصر لهم ، من يتكلمون عن ما يجوز وما لا يجوز ، وكيف يؤدي فلان عمله ، وكيف كان الواجب أن يفعل .

لذا هناك نسبة لا يستهان بها ممن يرى في نفسه أنه الأقدر والأصلح لكرسي المنصب ، ولديه تصور أنه لن يرتكب ما أرتكبه سابقوه ممن كانوا ضحايا لمشرط نقده وتنظيره، وأن لديه من القدرات والخبرات والامكانات والتربية والأمانة والوازع الديني مايقاوم به مغريات الكرسي وواسع الصلاحيات التي يتحصل عليها بموجبه، علما أن البعض عندما تولى منصب عريف الصف في رابع ابتدائي طغى وتجبر وإلى يومنا هذا تلاحقه دعوات ضحاياه.

  • سحر المنصب وجنون العظمة..

ألا يعلم هؤلاء أن للمنصب سحراً ووهجاً قد يسلب البعض لُبَّه ويزين له سوء عمله فيراه حسنا ، إذْ أن من المحتمل – مع مرور الوقت وإدمان سماع المديح – أن يحول المنصبُ الشعورَ بالمسؤوليةِ والأمانةِ إلى زهو وغرور ، بل وربما جنون عظمة ، فمن تحت إدارته يجعلون مجرد تفكيره أوامر ولا يُسمعونه إلا مايُرضيه ويسره ويصنعون من أنفسهم مرآة لما يتمناه ، فيظن مع الوقت أنه لامسيرة للحياة بدونه ولا نجاح إلا بقيادته، ولماذا لا ؟ وهو الأذكى والأرجح عقلا والأرفع منزلة والأكثر علما ودراية وخبرة وإحساسا بالمسؤولية .

ثم يبدأ بعدها يعتاد – كما عوَّده مرؤوسيه – أن لايسمع إلا المديح والثناء لإنجازاته ، حتى يصل لمرحلة يكره فيها ويعادي من ينتقده أو ينتقد أسلوب إدارته ، لينتهي به المطاف بتصنيف من ينبس ببنت شفة سلبية تجاه إدارته عدوا للوطن ثم عدوا للدين لأنه يعنقد أنه هو من يمثل الوطنية والدين، وكان قد قدَّم نفسه يوم قدِم عليهم بلباس المتواضع المتطلع لضبط المسار وتصحيح الأخطاء ورفع مستوى العمل وأنه الذي كله آذان صاغية لمن يقدم له مقترحا أو ملاحظة ، فليته سجل تلك اللحظات ليطالعها بين فترة وأخرى علها تكون سببا وحبلا ينقذ به نفسه من الانجراف وراء مخاطر المنصب وواسع الصلاحيات وعِظم المسؤولية .

إن من لم يمر بتجربة المنصب والصلاحيات الواسعة الممنوحة -والتي ربما بعض المسؤولين يغادر المنصب قبل استيعابها- لايمكن أن يدرك حقيقة ما يحدث، فهؤلاء مخيرون بين مسارين لا ثالث لهما ، إما أن يروا المنصب تكليفا ، فيستشعرون الأمانة ويؤدونها كما ينبغي، أو أن يسرقهم بريقُ الكرسي فيبدؤن العبث بوعي أو بدون وعي.

فقد يرى أحدهم أن توظيف أقاربه واجب اجتماعي، ويظن آخر أن ترسية منافسة تأثيث مكاتب الإدارة على شركة أخيه أمر طبيعي، أما الثالث فيظن أن حفل الشركة لا ضير أن تتعهده مطاعم خالة سكرتير مكتبه، أما الرابع فيرى أن أم العيال يمكنها فتح سجل تجاري لشركة تقنية ليتم ترسية أتمتة القطاع عن طريقها!

والمبدأ المحرك لهؤلاء أنهم أولى بالمبالغ المخصصة لهذه المشاريع أو تلك، وما أكثر مبرراتهم لذلك ، فهم قد خدموا وطنهم سنوات وسنوات ويستحقون عليها هذا التكريم ، ولا يرون حرمة في هذا لأن هذه المشاريع والفعاليات أنجزت بشكل متميز حتى ولو كانوا أوكلوها لأقاربهم وأصدقائهم ، ثم هم نصحوا ونفذوا على أحسن وجه ، أو أنهم نشأوا على أن هذا “حلال الحكومة” وأن لهم حق فيه ، فيمكنهم الغَرْف منه بقدر ما يشتهون ، فالمنصب والصلاحيات وتقدير وتبجيل المجتمع المحيط بهم قد يزول في أي لحظة فلا ضير من السباق والمسابقة في جمع الغنائم .

إن هذه الفئة ليست وليدة اللحظة فقد تكررت وسوف تتكرر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فئة “من لا يخاف ولا يستحي”، فئة من رأوا من زملائهم السابقين مَن كوَّن ثروة وسلطة ومالا وزرع له في كل مفصل رجالا ونساء عن طريق التعيين أو الشفاعة والواسطة أو الترشيح، ومن رأوا من زملائهم من عاشوا حياة الأثرياء حتى ظنوا أنهم سيبقون كذلك لولد الولد، ومن رأوا من زملائهم من – لشدة ظنهم أن أماكن عملهم ملكيةٌ خاصةٌ لهم – قاموا بتعيين أبناءهم وزوجاتهم وأصهارهم وأصدقاء أصدقاء أبناءهم متجاوزين الإجراءات والأنظمة، بل إن بعضهم سرق وهرب وقال “لم أسرق من الجمل إلا أذنه!” وأكمل حياته متنعما بالمال الحرام حيث هو الآن.

  • فاسد بمرتبة قدوة..

والغريب أن بعض هؤلاء الفاسدين صاروا في مرحلة ما مثلا يحتذى وقدوة تُتَّبع ويضرب بها المثل في حسن التدبير والإدارة ، بل ربما تمنى البعض أن يكون مثلهم ويصل لما وصلوا إليه ، ويتكرر التقريع والنقد لمن تحين له فرصة ليكون مثلهم فلا يستغلها.

إن ما يجعل هؤلاء يتمادون -ليصل بهم الأمر من الإخلال بالأمانة إلى استغلال السلطة والنفوذ والعبث بمقدرات الوطن والطمع بما ليس من حقهم- يكمن في أن المكاسب التي حققوها مقابل العواقب التي ربما تحدث لهم جراء فسادهم تعتبر لا شيء، نعم لا شيء ، خاصة إذا احتفظوا بالمكتسبات المحرمة في الخارج وأمنوا مستقبل أحفادهم واطمئنوا أن السوس الذي زرعوه في كل مفصل سوف ينخر لدرجة يضمنون فيها استمرارية نهجهم وحمايتهم من المسائلة Kوالذي أصبح كله أضغاث أحلام مع حملات الحزم والتطهير على الفساد والفاسدين من لدن حكومتنا الرشيدة .

ولعل من الجدير ذكره أن التسويات المالية والتي تمت مع عدد من الفاسدين في مرحلة سابقة قد لاتكون مناسبة اليوم مع من تعدى فساده سرقة المال العام ليصل إلى خيانة الوطن والعبث باستقراره والتآمر عليه ، ففي جانب المحاسبة المالية لايصلح مع هؤلاء إلا “نقطة الصفر” والتي هي تقنية حازمة ستجعل هؤلاء الفسدة وأشباههم يفكرون ألف مرة قبل أن يتهوروا ويسرقهم بريق المنصب، و “نقطة الصفر” هي : من حيث بدأوا يعودون كما كانوا، لتُسترد جميع الغنائم المادية والمعنوية التي استولوا عليها هم وعوائلهم ومن حولهم ، في عملية حصر دقيقة مادية واجتماعية ، ثم لابد أيضا من تتبع أي أذرع تم تمكينها من خلالهم ، لما تمثله هذه الأذرع من خطر كبير نائم يتحين الفرصة لإعادة نهج الفساد ، ولما تحمله من ولاء لمن يعتبرونه صاحب الفضل عليهم .

لتكن مكارثية حازمة قاصمة تطهر كل مكان مر فيه هؤلاء وتزيل كل أثر تركوه .

  • المكارثية هي الحل..

تلك المكارثية سوف تجعل كل من كون لوبي أو مجموعة مصلحة في أي قطاع وعلى أي مستوى يفكر مرتين قبل أن يتمادى ، فالمكارثية سوف تصحح بوصلة أي فاسد (محتمل) من استغلال صلاحياته وثقة من إئتمنه ليعود عودا حميدا لجادة الصواب ويُسخِّر جهوده لخدمة وطنه، المكارثية سوف تحد من ظهور طبقة “مستحدثي النعمة” الذين حققوا ثروات طائلة بسوء استغلالهم للمنصب وتصديقهم لأنفسهم أنهم من سلالة نادرة .

ليعودوا إلى نقطة الصفر وليعاملوا كغيرهم سواء بسواء ، لعل وعسى من اعتقد أنه سيد زمانه ونظر باحتقار لمن حوله ونسي نفسه ، لعله يصحو من سكرته ويعلم أنه وُضع لخدمة هذا الوطن قيادة وشعباً، وأن المنصب تكليف ومسؤولية لاتشريف ومصدر تكسب محرم.

عندها سيكون السؤال : هل بعد هذا سيخافون ؟!

والجواب : بالتأكيد سيخافون.

 

*كاتبة وباحثة في مجال الاستشارات التربوية والتميز المؤسسي

فيسبوك

قد يعجبك أيضاً

حنان الحمد تكتب: هل سوق العمل السعودي بحاجة إلى مهارات بشرية خارقة؟!

غير ملائم لسوق العمل حنان الحمد بين حين