حنان الحمد: جريمة تلميع تاريخ المحتل العثماني في رقبة التعليم وشريكه الإعلام!

حنان الحمد: جريمة تلميع تاريخ المحتل العثماني في رقبة التعليم وشريكه الإعلام!

- ‎فيآراء وتحليلات
51414

ليس محض صدفة !

حنان الحمد *

في مرحلة ما قبل الجامعة، كانت مادة التاريخ ثقيلة على نفسي بسب كثرة (الدش) وصف المعلومات دون وجود تسلسل منطقي واضح بالنسبة لي، جُل ما أتذكره عن حقب الخلافة الإسلامية المتعاقبة أنها كانت دول تتصارع على الحكم ثم تنشر الإزدهار في الدول التي تحتلها تحت مسمى (الفتوحات الإسلامية) وبعدها تتفكك لتليها خلافة أخرى، درست عن نتاج الخلافة الراشدة الديني ونتاج الخلافة الأموية الثقافي ونتاج الدولة العباسية المعماري، أما ما عقبها فكانت كلها حروب ومعارك لابداية لها ولا نهاية، وتم تقديم الاحتلال العثماني على أنه خلافة إسلامية كسابقاتها وكل ما يحضر في ذاكرتي هو تمجيد السلطان محمد الفاتح لفتحه القسطنطينية وضم الشرق إلى الغرب لتصبح ما عليه الآن (تركيا الحديثة)، طبعا لم أدقق ولم أكترث كثيراً في كل ماسبق لأن المعلمات كن مملات في السرد وكنت أفكر كيف سأحفظ هذا كله لأفرغه في ورقة الاختبار وأنجح.

استحضرت الخلافة العثمانية أثناء دراستي لمرحلة الماجستير وتحديدا دراسة تاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية، وكانت الصدمة أن الاحتلال العثماني للجزيرة العربية لم يكلف نفسه جهد تطويرها قيد أنملة حتى على مستوى التعليم فقد كانت هناك محاولات خجولة في الأحساء ومنطقة الحجاز لتعليم اللغة التركية لأبناء تلك المناطق وتم فتح مدارس لهذا الغرض ولكنها فشلت وأُقفلت، وحسب تحليلي الشخصي يعود فشل هذا المشروع لتغيير ثقافة سكان الجزيرة العربية آنذاك لسببين هما عدم جدية المحتل العثماني في نشر التعليم بين السكان الأصليين وكذلك مقاومة السكان الأصليين للتغيير ورفضهم التخلي عن لغتهم الأم، هنا تذكرت المسلسل السوري – الذي تناول بشاعة الاحتلال العثماني – (إخوة التراب)، ودفعت بعده سوريا ثمنا غاليا نراه الآن على أرض الواقع من غزو تركي لأراضيها ووجود من يدين لها بالولاء من أبناء سوريا وكأن أجدادهم لم يبذلوا النفس والمال ليخرجوهم من ظلمات العبودية والخازوق فخذلهم الأحفاد بالارتماء تحت أقدام التركي بكامل إرادتهم.

 

  • الرقص بعلم المحتل التركي

حقيقة ليسوا وحدهم، فالمحتل العثماني لم ينس ثأره حتى بعد أن تحول لدولة حديثة مدنية علمانية تسمى (تركيا) التي تعلمت الدرس جيدا، فقد تعلمته من مسلسل (إخوة التراب) وقررت أن تخلع ثوب الخوازيق والقفص (cage) لترتدي ثوب القوى الناعمة والمسلسلات الرومانسية والسياحة الخضراء، وكل هذا استقبله العرب بمحض إرادتهم كحكومات وشعوب وبأموالهم، وجل ما تكلفه المحتل العثماني هو الإغراق بكل ما هو ثقافة عثمانية تركية وتضخيم صورته كنموذج إسلامي منفتح على جميع الثقافات والأديان لدرجة أن بعض “مطاوعتنا” رقص على أنغام الموسيقى حاملا علم المحتل العثماني في أوزنجول الخضراء تحت زخات المطر احتفالا بدحر الإنقلاب تارة وتارة أخرى بفوز خليفة الغفلة بالانتخابات الديموقراطية المبكرة التي يكفرها مطوع الدول العربية في بلاده.

أي قبول لهذا المحتل على المستوى الشعبي والإعلامي من جميع الأطياف؟

كيف تسلل بكل نعومة ليكشف عن وجهه القبيح وبدعم من أحفاد الأبطال الذين دحروه منذ عقود مضت؟

  • تلميع المحتل العثماني في مناهج التعليم

إن تمهيد الأرضية لهذا المحتل في عقول وفكر مجتمعاتنا تم من خلال جناحين هما التعليم والإعلام، حيث بدأ من تغلل الإخوان المسلمين في التعليم الذين وضعوا مناهجاً توافق أهواءهم، فألغوا بطولات أجدادنا الفاتحين الأبطال واستعاضوا عنه بأن سطروا تاريخ مشرق للمحتلين العثمانيين وجعلوهم ساخطين على حكوماتهم ومجتمعاتهم محتقرين واقعهم متباكين وباحثين عن كل السبل لاستعادة زمن الخلافة الراشدة وإن لم يتمكنوا من ذلك لجأوا للانبطاح لاستحضار الخلافة العثمانية فكل النماذج جيدة عدا حكوماتهم ودولهم، لذا كان من السهل دغدغة حماس الشباب ورفع معنوياتهم بالبديل العثماني المختل بعد السقوط المدوي لكل من حاول استعادة نموذج الخلافة الراشدة، وتم توجيه ولاءهم للمختل والمطالبة به ليحكمهم ويذيقهم بعد ذلك حلاوة الخازوق ولكن حينها لا مندم ولا مفر.

كيف وصلوا إلى هذا المستوى من خلل في الهوية ومن الذي ميعها ليكونوا إمعة دون تفكير أو انتماء؟

كيف وصل الحال بدعوة مختلي الخوازيق ليجهلونهم ويبيدونهم ويستعبدونهم مرة أخرى؟

إن ذنب هؤلاء جميعا في رقبة التعليم ومناهجه التي سممها الإخوان المسلمون وترك لهم الحبل على الغارب وكذلك سياسة التعليم في بعض الدول التي تبنت الأممية ودعوات الجهاد مقدمة على إعمار الأرض كما أمر الله، الذنب في رقبة التعليم الذي غيب إطار تعليمي يعتمد على التفكير الناقد والبحث والنقاش، الذنب في رقبة معلم كان حافظ مش فاهم كل همه الراتب نهاية كل شهر وإنهاء المنهج.

  • الإعلام شريك في الجريمة

أما الجناح الثاني الإعلام فهو الشريك الرسمي للتعليم في نشر هذا التجهيل لتاريخ الوطن وإخفاء تاريخ خلافة الخوازيق البشع وتضخيم حروبه على أنها جانب مشرق من قبل جناح مكتظ بالإخوة الأعداء المتلونين، لذا إن أردت أن تعرف ماذا يجري في الإعلام فعليك أن تعرف ماذا يجري في التعليم، وبعد أن تبين ماذا جرى في التعليم – الذي يحاول تدارك هذه الكوارث والتي سوف تستغرقه سنوات كثيرة لتخريج أجيال لديها على الأقل المعرفة بتاريخ المختل العثماني – فبالإمكان معرفة ماذا يجري بالإعلام الذي يديره نتاج ذلك التعليم، فالإغراق الذي حصل في جميع القنوات بالدراما التركية لتشجيع السياحة فيها وغياب أي انتاج متقن لأعمال درامية تاريخية بعد (أخوة التراب) لمجابهة احتلال مسلسل (أرطغرل) أدى بأن يمجد العرب مسلوبو التفكير أرطغرل بل وتعداه للعالم الإسلامي لوضع تمثال له في باكستان، أي انحطاط في الهوية وصلوا إليه القوم وأي خنوع.

  • ماذا لو تحدث الأجداد في قبورهم؟

ثم بعد هذا لا غرابة في أن يُستقبل العثماني المختل بقيادة خليفتهم الورقي من المتخاذلين منتظرين (أرطغرل) المنقذ على صهوة جواده حاملا عصاه السحرية لحل مشكلاتهم، وسوف يكتشفون أنها خوازيق ستُدق في أرواحهم وهم يبكون على خنوعهم وعدم حفاظهم على إرث أجدادهم، هؤلاء الأحفاد الذين خذلوا أجدادهم ولم يتعلموا من العثماني المختل كيف استغل قصص أجداده وأيقوناته الكاذبة ليسيطر على ثروات المتخاذلين، فمع كل خبر أو دعوة أو مجرد حرف يكتبه مواطن يحمل هوية وطنية ووثيقة سفر لدولة بعينها ليمدح العثماني أو يضع علمه أو يكتب اسمه بحروف تركية أو يشجع على السياحة هناك أو يروج لمشاهدة مسلسلهم الوطني (أرطغرل) بل ويدعوهم لاحتلال أرضه ظنا منه أنهم هم الحل، فإن أرواح أجدادهم ترسل لهم حمم بركان الغضب قائلين بئس النسل أنتم وبئس الأحفاد أنتم.

وقيل في المثل (ما دون الحلق إلا اليدين) لذا على الحكومات مناقشة أنجع الوسائل لإيقاظ المتخاذلين من التنويم المغناطيسي العثماني وتكثيف الحملات المقنعة بإبراز تاريخهم الدموي أسوة بإخوة التراب وما فعلوه بأهلنا وأجدادنا على هذه الأرض من تنكيل وقتل وإتخاذ القرارات اللازمة لهذا، فلا يكفي تقرير إخباري أو لقاء تلفزيوني وبعدها يعودون للسبات العميق أو إنشغال الإعلام الرسمي في ما لا يسمن ولا يغني من جوع، أما التعليم فلابد من خطط قصيرة المدى وبعيدة المدى لإصلاح ما أفسده السابقون لعل وعسى ننقذ الأجيال القادمة ليكونوا مواطنين صالحين يعرفون معنى كرامة وطن وكرامة مواطن، أما المحتل العثماني فهو عدو من ضمن طابور طويل كلما أسقطنا عدواً واحداً منهم بفضل الله خرج علينا الذي يليه بأرضية ممهدة من الطابور الخامس الخائن وسنستمر هكذا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها فهذا قدرنا قبل النفط وبعده.

رحم الله أجدادنا وجعل ما قدموه من تضحيات في ميزان حسناتهم وندعو الله أن يمنحنا قوتهم وصبرهم وبأسهم وعزة نفوسهم لنواصل ما بدأوه ونحافظ على ما تركوه لنا من مكتسبات، الله ثم المليك والوطن ليست مجرد كلمات نرددها بل هي عقيدة ولاء وبراء.

 

*كاتبة وباحثة في مجال الاستشارات التربوية والتميز المؤسسي

فيسبوك

قد يعجبك أيضاً

المستشار هاني الظاهري يكتب: لو كان النبي في باريس..!

لو كان النبي في باريس! هاني الظاهري تويتر: