خالد آل تركي يكتب في #عين_الخليج: المعادلة الثلاثية (الإنسان والدين والليبرالية) في ضوء الفلسفة والدين

خالد آل تركي يكتب في #عين_الخليج: المعادلة الثلاثية (الإنسان والدين والليبرالية) في ضوء الفلسفة والدين

- ‎فيآراء وتحليلات
15465

بقلم: خالد تركي آل تركي

 

توطئة:

يُعد اختلال المفاهيم واحداً من أهم الأزمات الثقافية في الوطن العربي، وخطورته تكمن في استغلاله من قِبل أشخاص ورموز يثق بها جزء كبير من أفراد المجتمع، ومفهوم الليبرالية هو أكثر مفهوم تم تشويهه وتحريفه، لذا فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المثقف في تنوير المجتمع وكشف الحقائق ووضع النقاط على الحروف من خلال بلورة تلك المفاهيم.
ستتطرق هذهِ المقالة إلى المحاور الرئيسية التالية:

1.العلاقة بين أطراف المعادلة:
حقيقة الإنسان ومكانته وحقيقة الدين وأهميته ودوره في حياة الإنسان، وماذا يعني الدين للإنسان، وهل الليبرالية أتت لإقصاء الدين كلياً أو الحرب عليه والعداء لأتباع كل الأديان، وغيرها من تلك التساؤلات

2.المثقف العربي:
ماذا قدم للمجتمع، دوره في معالجة المشكلات، حضوره وغيابه، تأثيره أو عدمه.

3.التعليم:
دور التعليم في بناء الإنسان، ورفع مستوى الوعي لديه، وضع التعليم في الوطن العربي، وكيف يمكن الارتقاء بالتعليم.

 

*الإنسان والدين (الغاية والوسيلة):

ميَّز الله الإنسان وكرَّمه بالعقل (ولقد كرَّمنا بني آدم) الإسراء:70, أي كرَّم بني آدم بجميع وجوه الإكرام (السعدي,ص409) وأحسن خلقه (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)التين:4, أي تام الخلق متناسب الأعضاء ومنتصب القامة (نفس المرجع, 887) ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته (فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)الحجر:29, تعظيماً لأمر الله وإكراماً لآدم (نفس المرجع,380) وفي الكتاب المقدَّس نجد الآية (فخلق الله الإنسان على صورته)التكوين1/27, أي أنه لم ينشأ عن نوع سبقه لأنه كان في الحقيقة أكمل المبدعات بالقوة الإلهية الخالقة (مارش,ص24), ونجد ما يقابل هذه الآية في الإسلام في قوله عليه الصلاة والسلام: (خلق الله عزَّ وجلَّ آدم على صورته) (مختصر صحيح مسلم,ص432), وأرسل الله الأنبياء بشرائع مختلفة وعقيدة واحدة من أجل هذا الإنسان, وفي هذا دلالةٌ قاطعة على محبة الله اللامتناهية لهذا الإنسان المخلوق الوحيد الذي اختاره واستخلفه في الأرض.

إنه ليبدو من الواضح من خلال هذه المميزات التي أعطاها الله لهذا الإنسان وشرَّفه بها, أن هذا الإنسان هو الغاية في هذه الأرض والدين هو الوسيلة التي يصل بها هذا الإنسان لخالقه ويعرف حقه بها, وقد يعتقد البعض أن هذا الرأي يتعارض مع قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)الذاريات:56, ولكن في الواقع أن هذه الآية ما هي إلا تأكيد من رب الأرباب على قيمة هذا الإنسان من خلال تذكيره بألَّا يغفل عن الغرض الرئيسي من وجوده الذي كان بأمره جلَّ جلاله, بالإضافة إلى الشرف العظيم الذي منحه الله لهذا الإنسان بأن جعله عبداً له سبحانه, حيث أن العبودية تكون هنا بمنزلة الشرف والعزة (حسب المفهوم الإسلامي), بينما نجد في المسيحية مفهوم (البنوَّة) يظهر واضحاً وجلياً في رسالة بولس إلى أهل غلاطية: (لأنكم جميعاً أبناء الله)غلاطية3/26.

لذا فإن محاولة جعل الإنسان لا قيمة له إلا بالدين أو معاملته وفقاً لدينه ومذهبه, فإنها مخالفة لإرادة الخالق سبحانه, حتَّى الفلاسفة قادتهم الفطرة السليمة وروح التأمل إلى معرفة قيمة الإنسان وأنه هو الغاية, لذا كان اعتقاد الفيلسوف الألماني لودفيغ فويرباخ أن الإنسان هو مركز الدين وغايته, وفي الإسلام هناك ما يؤكد على ذلك, حيث أنه بذهاب عقل الإنسان فإن التكليف الشرعي يسقط عنه.

 

*الغموض والوضوح:

لا يزال البعض يصر على محاولة إرشاد الآخرين لدينه من خلال إثارة موضوعات تسيء إلى الدين الآخر, معتقداً أنه بذلك سيهدم عقيدة مترسِّخة لدى أتباعها على مر العصور! ومعتقداً أيضاً أن خصومه من أتباع الدين الآخر لا يملكون الأدلة على تساؤلاته, حيث أنه لا يخفى على كل ذي عقل أن أتباع كل دين لديهم مجموعة من الأدلة العقلية والنقلية لكل شبهة أو تساؤل أو اعتراض يطرحه المعترض من الطرف الآخر, ولا شك في أن جميع الأديان تحوي جزءاً من العقلانية, وإلا لما وجدت من يقبل بها ويؤمن بمبادئها وتعاليمها, وجميع العلماء في هذه الأديان لديهم أعمال سعوا من خلالها لتطويع الفلسفة والمنطق لتتواءم مع رسالتهم وعقيدتهم الدينية, لذا نجد أن المناظرات والحوارات الدينية تنتهي دون فائدة, ولا فائدة تُرجى من ورائها, بل على العكس من ذلك نجد أن الطائفية والكراهية تزداد بين أتباع هذه الأديان والمذاهب.

لو سألت المسلم أو غيره لماذا أنت مؤمن بدينك؟ ستختلف الأجوبة بحسب كل شخص وبيئته، فمنهم من سيقول لأنني ولدت في أسرة مسلمة أو مسيحية أو يهودية، والآخر سيقول لأنني مقتنع بأن هذا هو الدين الصحيح، وفي واقع الأمر فإن ذلك الإنسان الذي يجادل الآخرين من المؤمنين بدين آخر يختلف عن دينه أو من غير المؤمنين بالأديان عموماً, فإنه في حقيقة أمره غير مقتنع تماماً بكل ما ذكر, بل ويبحث عن الحقيقة عن طريق الجدل الديني. إن كل إنسان على وجه الأرض فُرِض عليه ما قد فُرِض، أو وجد نفسه أمام تلك الأفكار (الحقائق بالمفهوم الديني العقائدي), وقبلناها جميعاً لنكون متكيفين مع المجتمع، وحتَّى الذي لم يقبل بها فإنه لا يفرق عن الذي قبِلها من حيث الوصول للحقيقة الكاملة والواضحة التي ينشدها عقل الإنسان، الفرق بينهما أن الأول لديه مرونة وتكيُّف أكثر من الآخر الذي لم يحتمل الإيمان بأمور لم يقتنع بها بشكل أو بآخر، فنجد مثلاً بعض النصوص والأخبار في الكتب المقدسة غير واضحة تماماً، ويكتنفها أنواع شتَّى من الغموض. يقول الفيلسوف السوفسطائي بروتاجوراس: “فيما يخص الآلهة فإني غير قادر على قول شيء, لا أنهم موجودون, ولا أنهم غير موجودين, فعوامل كثيرة تحول دون هذه المعرفة, منها غموض الموضوع”.

إن مفهومي (الوضوح والغموض) هو الذي أنتج لنا جميع الاتجاهات والتيارات الفلسفية والدينية: الوجودية, اللاأدرية, اللادينية, الإيمان, الإلحاد…إلخ. وينقاد كل إنسان إلى أحد هذه الاتجاهات أو غيرها بحسب درجة الوضوح أو الغموض لديه, وهم يتفاوتون في ذلك, فما يُعد واضحاً لديك ليس بالضرورة أن يكون واضحاً لدى الآخرين.

لذا فإن من اختار بنفسه الدين الذي يطمئن إليه أو أي مذهب ديني أو فكري يراه متوافقاً مع الأيديولوجيا التي يتبنَّاها، لن يستطيع أي أحد ولا أي منطق أو أدلة عقلية أو نقلية أن تقنعه بما قد اقتنعت به أنت.

ينظر الإنسان المسلم إلى الإنسان المسيحي نظرة رحمة وهو يستحضر قوله تعالى (ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه), وينظر الإنسان المسيحي إلى الإنسان المسلم نظرة رحمة وهو يستحضر من كتابه المقدَّس (وليس بأحدٍ غيره الخلاص). لكن العدالة والرحمة الإلهية فوق ذلك كله, تفوق أحكامنا وتصوراتنا البشرية.

دعها سماويةً تجري على قدرٍ
لا تفسدنَّها برأيٍ منك منكوسِ

 

*الدين والوجدان (الحياة الداخلية):

هناك حقيقتين لو أدركها المنشغلون بالمناظرات الدينية أو المذهبية لكانوا قد أراحوا واستراحوا, الحقيقة الأولى أن الإنسان هو الغاية, والحقيقة الثانية أن الدين للوجدان, وكما هو معلوم أن الوجدان لا يخضع للغة المنطق. وإن من يتأمل في كل من الإسلام والمسيحية واليهودية، سيجد أن الجزء الأكبر من تعاليمها ينصب على إعطاء الأمل وتهدئة النفس في المصير المنتظر لكل إنسان، فمثلاً عندما يموت أحدٌ ما ستجد أن المسلم سيذهب ويتصدق عنه مستحضراً أن تلك الصدقة ستكون نوراً على هذا الميت في قبره وستتنعَّم روحه، وكذلك المسيحي واليهودي وغيرهم سيقومون بنفس تلك الأعمال مع الاختلاف في العقائد والتصورات المتعددة لما بعد الموت من حياة أخرى وما يسبقها من جزاء، حيث نلاحظ أن الكثير من المفاهيم الدينية أتت من أجل تعزية هذا الإنسان المسكين الذي وجد أنواع شتَّى من المتناقضات على هذه الأرض.

يقول لودفيغ فويرباخ: “الإنسان المتديِّن سعيد في خياله, يملك كل الأشياء, وممتلكاته دائماً محمولة, الله يرافقني في كل مكان, لستُ بحاجة للاغتراب عن ذاتي, أنا أمتلك في إلهي مجموع الكنوز والأشياء الثمينة…الله هو كل ما يحتاجه القلب ويرغبه من النعم”(Feuerbach,P.136).

ومما يدل ويؤكد أيضاً على أن الدين للشعور, هو أنك تجد هذا الدين إما أن يكون ملجأ للإنسان ليواجه به الواقع, أو طريقاً يهرب من خلاله من واقعه فيعيش على الأماني والأحلام والخيالات, يقول فويرباخ:

“كلما كانت رؤية الإنسان محدودة, فلا يعرف إلا القليل عن التاريخ والطبيعة والفلسفة, كلما كان أكثر تعلقاً وتشبثاً بدينه. لهذا السبب يشعر الإنسان المتديِّن بأنه ليس بحاجة للعلم أو الثقافة, على سبيل المثال, لماذا نجد أن العبرانيون لم يكن لديهم أعمال في الفن أو العلم كما كانت متوفرة عند اليونانيين؟ لأنهم شعروا أن يهوه (الإله بلغة العهد القديم) يوفرها لهم”(Idem).
ولا شك بأن الإنسان يشعر بحاجة داخلية لدين ينبغي أن يؤمن به ويمارس طقوسه ويعوِّل عليه في مصيره بعد الموت, ونلاحظ هنا أمر في غاية الأهمية, وهو أن الوجدان والشعور هو الذي قاد الإنسان للاعتقاد بوجود إله وضرورة الإيمان بدين معين ينبغي أن يعبد الله ويتقرب إليه به, لأنه بالعقل وحده لن يصل الإنسان إلى ما ينشده من حقائق وخصوصاً الحقائق من هذا النوع, وهناك حديث نبوي يشير إلى ذلك, قوله صلى الله عليه وسلم: (البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب), لذا فإن من يكتفي باستخدام عقله فقط ويعتمد عليه لوحده في القضايا الدينية سيظل في صراع ومعاناة, لأنه سلك الطريق الخاطئ في البحث, فطبيعة الأديان عموماً لا تنسجم ولا تتوافق مع طبيعة العقل في بعض قضاياها وموضوعات بحثها, وهذا هو ما دعا الفيلسوف جان جاك روسو إلى الاعتقاد بأن العقل يعادي ويرفض كل ما له علاقة بالدين والمسائل اللاهوتية, وقد يأتي من يقول: هل هذا يعني أن الأديان خرافة طالما أن العقل يرفض الكثير من أفكارها؟

ليس بالضرورة كل ما يرفضه العقل أن يكون خرافة, فربما هناك مسائل يصعب على عقولنا تصورها أو إدراك كنهها, إما لأن العلم ما زال في طور البحث عنها, أو لأنها تعلو على مستوى عقولنا كبشر. فهناك نوع من التساؤلات لن يستطيع العقل أن يجد جواباً مقنعاً لها, من ذلك: لماذا يُولد إنسان وهو معاق بأي نوع من أنواع الإعاقة؟ أو لماذا يُصاب شخص مؤمن ومتدين بمرض السرطان ويظل يعاني ويتألم حتى تفيض روحه؟ رغم أنه قام بالصدقة وقام بالدعاء في جميع أوقات الاستجابة ولكن بلا فائدة!
لن يستطيع الإنسان من خلال العقل أن يجيب على تلك التساؤلات، ولن يقبل العقل التفسيرات الدينية.

وليس أمام هذا الإنسان إلا أن يقبل حقيقة الحياة بكل ما فيها وأن يتكيَّف معها بمختلف ظروفها، وأن يدرك مسألة أن الدين للشعور والوجدان فقط، بمعنى أن أي محاولة لعقلنة الدين فهي حتماً ستبوء بالفشل. وأخيراً يجب علينا كبشر أن ندرك أنه لا يوجد ما يمكن أن يخفف آلامنا ويعالج مشكلاتنا سوى العلم رغم عجزه عن معالجة الكثير من المشكلات بمختلف أنواعها.

كذلك على مستوى العقائد والغيبيات, سنجد أن الوجدان هو من يجعلنا نقبل بها ونؤمن بصحتها دون وجود دليل ملموس أو مرئي أو مشاهد, سأضرب مثال لكي يتضح من خلاله كيف أن الوجدان هو ما ينسجم فقط مع الدين، المسلم يصدق ويؤمن ويعتقد بأن الله جلَّ جلاله يجلس فوق كرسي تحمله ثمانية من الملائكة، والمسيحي يعتقد أن الله واحد في الجوهر لكنه في نفس الوقت عبارة عن ثلاثة أقانيم، هذه الأقانيم هي أشبه ما يكون بوظائف مختلفة بحسب اعتقادهم، الوجدان هو الذي جعل كلاً من المسلم والمسيحي يذهب إلى رأي واعتقاد معين ويطمئن إليه، إن المنهج العقلي الذي يريد البعض أن يُحكِّم من خلاله صحة الأديان خاطئ، الدين للشعور والوجدان فقط، والوجدان يقبل كل ما يطمئن إليه حتى لو كان العقل لا يقبله.

وأهم ثمرة سنجنيها عندما يتم حصر الدين على الوجدان أننا نكون قد صنعنا بذلك سياجاً مهمته حماية الدين من أن يتحول إلى أيديولوجيا، ومن جملة الآثار السلبية الناتجة عن تحول الدين منطلق أيديولوجي، أن هذا الدين المؤدلَج سيُنتج لنا أشخاص متدينين في ظاهرهم ومضطربين في داخلهم، حينئذ يصبح هذا التدين مشوَّهاً ويتحول إلى فيروس ينتشر بسرعة ويُحكم قبضته على تصورات الفرد تجاه كافة قضايا الحياة صغيرها وكبيرها، إلى درجة أن الأمور التي فُطرت عليها البشرية تصبح محل تساؤل لديهم!

إن الدين عندما يؤدلَج تنتج لنا مفاهيم وأفكار شاذة لم تعرفها البشرية على مر العصور, ولا أدل على ذلك من ابتداع ما يُسمى بـ”الاختلاط” الذي أنتج لنا عقول تطالب بهدم المسجد الحرام وإعادة بنائه وفق مقاييس شرعية!!

كذلك من المفاهيم الشاذة التي لم يعرفها الإسلام مفهوم (الحاكمية) الذي قامت وتأسست عليه وانطلقت منه الجماعات الإرهابية المتطرفة.

يقول روسو: “من يدعوني إلى الحق لا يضطهد عقلي بل ينيره” والجماعات الدينية في عصرنا هذا لم تدعوا إلى الحق وفي نفس الوقت تضطهد العقول! ولا شك بأن مبدأ (الحاكمية) هو من صور اضطهاد العقول.

إن تلك الأدلجة الدينية هي من دمَّر وشوَّه الفطرة الصافية النقية لدي الإنسان, ولو نُزعت تلك الأدلجة لعاد هذا الإنسان في صورته الحقيقية التي أرادها الله له.

 

*الليبرالية (الحياة الخارجية):

إن الحديث عن الدين والشعور حتماً سيقودنا إلى الحديث عن الليبرالية كمنهج دنيوي، لأنه سيتبادر إلى ذهن الكثير أنه إذا كان الدين عامل أو مكوِّن يختص بالوجدان وتنميته وإشباعه, فهل هذا يعني أن الدين لا علاقة له بالقانون والسياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية؟

لا يمكن فصل الدين كلياً عن ثقافة أي مجتمع سواءً على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وغيرها, فالدين يُعد من أهم المصادر والعناصر التي تُشكِّل ثقافة كل مجتمع , كما أن الدين في مجتمعاتنا العربية يُعتبر هو المقياس والمعيار لمنظومة الأخلاق, بل إن البعض لا يزال يشترط على من يتقدم للزواج من ابنته أو أخته أن يكون متديِّناً! فالدين جزء لا يتجزأ من هوية الإنسان العربي حتَّى لوكان غير متديِّن, فالإشكالية ليست في الدين, وإنما تكمن الإشكالية في عدم وضوح العلاقة بين الدين والحياة في عالمنا العربي.

“لابد من التمييز أو التفريق بين الدين والدولة وإقامة الحدود العادلة بينهما, وإن لم يحدث ذلك فإن الخلافات لن تنتهي وستستمر بشكل دائم بين الذين يهتمون بنفوس البشر من جهة, والسياسيين من الجهة الأخرى”(locke,p.18).

وعن ممارسة النصح والإرشاد فيما يتعلق بالعبادات والممارسات الدينية وإجبار الآخرين عليها (على سبيل المثال: ما تقوم به هيئة الأمر بالمعروف في السعودية من إجبار الباعة على إغلاق متاجرهم في أوقات الصلاة) يقول لوك:
“كل إنسان مكلَّف بأن ينبه وينصح ويقنع الآخرين بخطئهم وأن يقودهم إلى الحقيقة بالعقل, ولكن سن القوانين والإجبار كل هذا من اختصاص السلطة فقط, وبناءً على ذلك أؤكد أن السلطة لا تمتد إلى تأسيس أيَّة بنود تتعلق بالإيمان أو بأشكال العبادة استناداً إلى قوة القوانين(Ibid.,P.20.).

وإن كان من المقبول ومن المعقول فصل الدين عن عالم السياسة, على افتراض أن الدولة لا دين لها, وأنها نظام سياسي تنظيمي حاكم يكفل الحرية والحماية للفرد وللجماعة ولكل الأديان والمذاهب, فالدولة كيانٌ مادي لا وجود للمشاعر والأحاسيس مكانٌ فيها, فإنه لا يمكن الفصل بين الإنسان والدين, لأن الإنسان ليس جسداً مادياً فقط, وإنما هو أيضاً يحوي الجانب الروحي والنفسي, فالإنسان يشعر ويتألم ويرغب ويحب ويكره ويحزن ويفرح ويتمنى…إلخ, وكل تلك المشاعر أو الرغبات لها ما يوجهها ويحددها ويفسرها ويعالجها في الأطروحة الدينية, بل إن الدين يعد ركيزة أساسية لها.

وقد أدرك العالم الغربي مؤخراً أهمية النواحي الدينية والروحية في حياة الإنسان ومدى تأثيرها عليه, خصوصاً فيما يتعلق بالجانب النفسي, لذا نجد أن الجمعية الأمريكية للطب النفسي قد أضافت للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية(DSM) فصلاً يختص بالمشكلات الروحية والدينية.

وعلى هذا يمكن القول بأن الدين أتى لإشباع الإنسان روحياً وتنظيم حياته الداخلية (الأمل والرجاء والروحانيات), والليبرالية أتت لتنظيم الحياة الخارجية (حياة المجتمعات وتحديد شكل العلاقة بين الدولة ومواطنيها). وفي تراثنا الديني نجد أن هناك موقف للرسول صلى الله عليه وسلم أراد من خلاله أن يجعل لأمته منهجاً واضحاً لا يعطي مجالاً للمتلاعبين والمنافقين في استخدام الدين للأغراض الدنيوية والسياسية منها على وجه التحديد, أنه مرَّ بقوم كانوا يقومون بتلقيح النخل, فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (لو لم تفعلوا لصلح), وقد عملوا بقول الرسول عليه السلام, فخرج التمر رديئاً وغير صالح, فمرَّ بهم الرسول مرةً أخرى وقال لهم: ما لنخلكم؟ قالوا: يا رسول الله قلت لنا كذا وكذا, فقال عليه الصلاة والسلام: ( أنتم أعلم بأمور دنياكم).

وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق) فيه دلالتان، الأولى: أنه عليه الصلاة والسلام لم يُبعث لتأسيس دولة، الدلالة الثانية: أن الإنسان بلا أخلاق لن يؤثِّر فيه دينه أو مذهبه، فالأخلاق هي من يُجسِّد صورة الإنسان على أرض الواقع، كما أن قيمة الإنسان تكون بذاته, ولا ينبغي أن نجعل قيمة الإنسان مرهونة بدينه أو مذهبه أو جنسيته أو عرقه, وهناك موقف للرسول صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ويؤكد على قيمة الإنسان, حيث قد مرَّت جنازة لأحد اليهود فوقف لها الرسول عليه الصلاة والسلام, فتعجَّب الصحابة من تصرفه! فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (أليست نفساً!؟) أراد عليه السلام أن يُعلِّمنا ويبعث برسالة عظيمة مفادها أن قيمة الإنسان وكرامته تبقى ولا تزول بمجرَّد اختلاف الدين.

 

*هل الليبرالية دعوة إلى الإلحاد والانحلال عن القيم؟:

يعتقد البعض أنه طالما أن الليبرالية تدعو إلى الحرية، فإن ذلك يعني الحرية المطلقة في كل شيء، ومن ذلك مسألتي الإلحاد والشذوذ الجنسي أو المثلية، فيرى أنه من حق هؤلاء أن يمارسوا سلوكياتهم ورغباتهم على أنها حق مشروع ويطالبون فوق ذلك بأن تقبل المجتمعات بهم وألَّا تنبذهم! هؤلاء لم يدركوا مسألة أن الحرية أتت لكرامة الإنسان لكي يعيش ويحيا وفق طبيعته البشرية فيُنتج ويبدع ويمارس حياته على الوجه المطلوب، أما إن كانت الحرية ستقضي على كرامة الإنسان فهذه ليست حرية بل عبودية وخضوع واستسلام لرغبات ونزوات منحرفة عمَّا تعارفت عليه البشرية وما فُطرت عليه النفوس. فليس كل ما يشتهيه الإنسان يصبح من حقه أن يفعله, وإلا فلماذا احتاج الإنسان إلى القانون!؟

إن الإشكالية لدى هؤلاء نابعة من عدم إدراكهم لفلسفة الأخلاق والقانون, فكل مجتمع له منظومة أخلاقية يتميَّز بها عن بقية المجتمعات, إلا أن هناك قواعد أخلاقية عامة تشترك فيها جميع المجتمعات وتعتبرها خطَّاً أحمراً, ولا شك بأن هناك رغبات لدى البعض ستتعارض مع المنظومة الأخلاقية لهذا المجتمع, ومن هنا أتى القانون ليضبط تلك الرغبات والأفكار ويحمي المجتمع والأفراد, فعدم السماح بها ليس تقييداً لحرية هذا الإنسان, وإنما محاولة لضبط هذه الحرية وتوجيهها توجيهاً حسناً. نعم, لك كل الحق أن تمارس رغباتك وتفعل ما تريد, لكن ليس من حقك أن تفرضها على المجتمع أو تمارسها في العلن أو تشرِّع لها!
يقول روسو: “علينا أن نحافظ قبل كل شيء على الأمن العام, أيَّاً كان البلد الذي نسكنه, أول ما يجب علينا هو الخضوع لقوانينه وعدم التشويش على الشعائر المقرَّرة في ربوعه, لا ندعو أحداً إلى العصيان إذ لا نعلم يقيناً هل هو خير له أن يستبدل عقيدته بعقيدة غيره, في حين أننا نعلم قطعاً أن مخالفة القانون شر خالص”(دين الفطرة,ص124).

ولو افترضنا أنه تم إعطاء هذا الإنسان الذي يطالب المجتمع بحقوق الملحدين حرية التعبير ونشر أفكاره, هل سيشعر بالراحة والاطمئنان والاستقرار؟ أجزم أنه لن يجدها, لأن ضميره الداخلي سيقض مضجعه ويحاكمه ليل نهار, كذلك الحال ينطبق على الإنسان الذي يطالب بما يُسمى ب(حقوق المثليين) رغم أنه لم يختر هذا الميول, إلا أنه اختار بكامل إرادته أن يمارس تلك الرغبة الشاذة.

إن الإلحاد والشذوذ الجنسي لا فرق بينهما وبين جريمة القتل، فإن كان القتل والإرهاب يقضي على حياة الإنسان ويهدد البشرية, فكذلك الشذوذ يوقف العملية الطبيعية لتكاثر الجنس البشري من خلال حرفه عن مساره الطبيعي، والإلحاد يؤدي بالإنسان إلى العدمية وافتقاد المعنى والأمل والرجاء وبالتالي يصبح هذا الإنسان يعاني من أزمة وجودية ستقوده حتماً إلى التخبط في هذه الحياة وربما الانتحار في نهاية المطاف! وإن كان هناك من يستلذ بالقتل والتدمير فهذا لا يعني أن حقه يصبح مشروع وأن يخضع المجتمع لأفكاره ورغباته الجنونية المضطربة! فإذا لم يكن هناك ضابط لحرية الإنسان, فإن المجتمع سيتحوَّل إلى غابة لا وجود للقانون فيها, وسيعم الفساد.

وإن كان الخير العام هو معيار التشريع كما يقول جون لوك, فأي خيرٍ يُجنى من وراء الإلحاد أو الشذوذ الجنسي!؟

إن الليبرالية قامت على مبدأ (الإنسان أولاً) ولا يمكن أن تكون عامل هدم للقيم والأخلاق المتعارف عليها والتي تكفل وتحفظ كرامة الإنسان, وفي رسالة التسامح لجون لوك أثناء حديثه عن مهام الدولة المدنية نجده يقول: “إن الحياة الطيبة التي لا تحوي مظاهر الدين هي من مسؤولية الدولة المدنية كذلك” حيث نلاحظ أن لوك يذكر ويكرر في هذه الرسالة عبارة (الدين أو الأديان) وكأنه يستبعد ويستنكر أن يكون هناك من يعتقد بالإلحاد! فإذا كانت تلك هي المبادئ التي نادى بها جون لوك الذي يُعد أول من وضع مبادئ الليبرالية وشكَّل فلسفتها, فكيف يأتي بعد ذلك من يقول أن الليبرالية تدعو إلى الإلحاد والانحلال وهدم القيم!؟

هناك فرقٌ شاسع بين الحرية والعبودية (عبودية الشهوات والنزوات), فالحرية تُعرف من خلال توافقها مع نواميس الكون، حينئذ ينعكس أثرها على الإنسان فيجد الراحة والاطمئنان، بينما تكون العبودية مخالفة لنواميس الكون فيجد هذا الإنسان الخاضع لها الاضطراب والقلق وتأنيب الضمير، لأنه خالف تلك الفطرة القابعة في أعماقه وبالتالي لم يستطع أن يتناغم ويتواءم مع الطبيعة والمجتمع ومع إنسانيته بالدرجة الأولى.

 

*ماذا يريد الملحد لكي يؤمن ويطمئن بوجود إله؟

قبل الدخول في الجواب المباشر، لابد من الإشارة إلى أنه ليس بالضرورة الملحد وحده من يريد الشواهد أو الأدلة لكي يطمئن، فإبراهيم عليه السلام وهو نبي ويعلم أنه نبي ورغم ذلك أراد أن يصنع الله له معجزة لكي يُشبع وجدانه لا عقله، لأن إبراهيم عليه السلام لم يشك ولو للحظة في قدرة الله (وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى*قال أولم تؤمن*قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)البقرة:260.

في الواقع وبكل إختصار أعتقد أن الملحد يريد ثلاثة أشياء لكي يؤمن بوجود إله:
1.أن يُظهر الله ذاته ويتجلى بكامل صورته، أو يظهر يسوع المسيح كما هو بصورته المعروفة عند المسيحيين أو يظهر على شكل نور ويتكلم كما حدث مع بولس الرسول كما يعتقد المسيحيين.
2.أن يرى رؤية في المنام فيها ما يجعله يطمئن أنها من الله، كأن يرى مثلاً رسول الإسلام وهو يخاطبه ويبشره أو ينظر إليك وهو يبتسم…إلخ.
3.أن يلاحظ ويرى أن كل ما ذُكر في الكتب الدينية يتحقق حرفياً، وهذا في الغالب لا يحدث! ففي الكتب الدينية الخير هو من ينتصر، لكن الواقع يقول ليس ذلك على كل حال، في الكتب الدينية أن المتدين يكون سعيداً ولكن الواقع يقول إن كثير المتدينين مرضى ومعقدين (تنويه: هذا نقل لما يدور في ذهن الكثير من الملحدين).

الأولى والثانية لن تتحقق، ومن زعم أنها حصلت معه جميعهم في التاريخ ولم نراهم رأي العين، والثالثة هي التي يتصارع فيها المؤمن والملحد، المؤمن يعزي نفسه بالابتلاء والصبر وحكمة الله، والملحد يرى أن الكتب المقدسة ماهي إلا حكايات.

وهذا يقودنا بالضرورة إلى تساؤلات أخرى متفرعة، يطرحها عقل الملحد منها: كيف يمكن الاستفادة من المعبود لو كان موجود؟
إن قال أحدهم أن الانشراح في الصدر بعد قراءة القرآن أو بعد الصلاة هي دليل على وجود إله، سيرد عليه أحدهم ويقول: ولكن أي إله تقصد؟ لأنني مسيحي وعندما أذهب إلى الكنيسة للتناول والاعتراف فإنني أشعر بإنشراح في صدري وسعادة لاتُوصف! سيأتي شخص ثالث (ملحد) ويقول: هذا دليل على أن الأديان خرافة وصناعة بشرية، والانشراح ماهو إلا ناحية نفسية ناتجة عن الإيحاء، ومجرد قيامك بتمارين التأمل ستشعر بنفس الشعور الرائع..
وربما يأتي شخص رابع مكتئب ويقول: إن كان الإله سيعطيني انشراح في الصدر وسعادة داخلية وراحة نفسية فإن بعض الأدوية النفسية كمضادات الإكتئاب تفي بالغرض وثقة الإنسان بها ستكون أعلى لأنها محسوسة ومجربة علمياً.
من الأسئلة أيضاً: ماذا ستخسر لو آمنت ؟ (أي العمل وفق رهان باسكال)؟
سيأتي أحد الملحدين ويرد على رهان باسكال قائلاً:
أن الله عادل و رحيم (بحسب الأديان) ولن يظلمني لأن عقلي (الذي هو من صناعته وإبداعه) لم يدلني عليه ولأن الحياة بكل ما فيها لم تستطع إقناعي بالإيمان بدين، وإن كان الله ظالماً فلن أندم على أنني أنكرته لأن إنسانيتي تنهاني عن عبادة إله ظالم.
لذا فإنني أعتقد أن من أراد أن يؤمن سيجد ألف دليل يعزز إيمانه، ومن أراد أن يلحد سيجد أيضاً ألف دليل يعزز إلحاده.

*المثقف العربي:

في الواقع فإن المجتمعات العربية والخليجية على وجه الخصوص, لا تُلام عندما ترفض الليبرالية جملةً وتفصيلاً, ولا يُلامون أيضاً عندما يرفضون أي دعوة للتغيير أو التجديد, لأنهم وجدوا من يقدمها لهم أشخاص سطحيين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى, بالإضافة إلى افتقادهم لرؤية واضحة يشرحون من خلالها أفكارهم التي ينادون بها. وأكاد أجزم لو أن الوعي والمعرفة انتشرت وسادت في المجتمعات العربية, ستسقط الكثير من الأسماء المتصدِّرة في الساحة الثقافية والمحسوبة على أنها من رموز الفكر!

والمتأمل في أعمال المثقفين في المجتمعات العربية سيجد الغالب عليها لا يعدو عن كونه:
1.استفزاز مشاعر المجتمع من خلال أقوال أو أفعال تسيء إلى ما يُعد من الثوابت (أو على الأقل سيفهمها المجتمع بتلك الصورة), فلا يسعى المثقف العربي للإصلاح بقدر ما يسعى للاستفزاز.
2.ازدراء الحضارة العربية والإسلامية من خلال التقليل من دور وأهمية أعمال الفلاسفة العرب والمسلمين, وإعلاء وتمجيد الحضارة الغربية التي ربما لا يعرف عنها سوى من قراءة كتب عربية أو مترجمة, دون أن يقدم البديل الذي يمكن أن يجعلنا نقبل ولو بصورة جزئية انتقاده لهم فضلاً عن أن يجعل من نفسه نداً لهم!
3.الحديث في كل شيء وعن كل شيء, فتجده مثلاً في السياسة يجعل من نفسه محلل سياسي, وفي الاقتصاد اقتصادي, وعند الحديث عن القضايا الشرعية يتحدث كفقيه أو أصولي, وهذا بدوره ناتج عن سوء فهم أو إدراك لمعنى الثقافة, فأصبحت معظم أعمالهم تفتقد للعمق المعرفي وعدم وضوح الغاية من العمل وتبعثر الأفكار.
4.يدغدغ المشاعر ويسحر العقول (العقول الفارغة فقط) بسحر البيان, وكما يقول عليه الصلاة والسلام: (وإن من البيان لسحرا). أما من حيث القيمة فيما يقول, والهدف المقصود, فلا قيمة ولا معنى ولا هدف, وينطبق عليه المثل العربي القائل: “أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً”.

ونلاحظ أن تلك الأربعة يقف خلفها العامل النفسي بالدرجة الأولى.

وبالنسبة لمؤلفات المثقفين العرب فإن الغالبة منها لو قمنا بحذف الأفكار المنقولة بالمعنى أو حرفياً من الكتب الأجنبية, فإنه لن يتبقى من أعمالهم سوى صفحتين أو ثلاث, وفي الغالب لن تجدها ذات قيمة, لذا فإن مكانة المثقف العربي والهالة التي تحيط به فإنه لن يجدها سوى عند قومه. يقول د.هشام شرابي:
“إن الجو الذي يعيشه المثقف في مجتمعنا, جو تنعدم فيه المسؤولية وتغلب فيه المقاييس الكمية على المقاييس النوعية, فإذا أنتج المثقف شيئاً ما (مقالة,دراسة, محاضرة) كانت إنتاجه حصيلة (سلق) سريع. فهدفه إتمام الشيء في أسرع وقت ممكن وبأقل جهد ممكن, ومن هنا كان إنتاج مثقفينا في أكثر الحقول مبتسراً سطحياً لا يعبر عن قدرتهم الحقيقية (شرابي, ص137).

وعن طبيعة العلاقة بين الجماهير العربية والمثقف, وبين المثقفين أنفسهم, يقول:

“والجمهور الذي يجابهه المثقف جمهور نصف أمي. إنه يبتلع كل ما يُقدَّم إليه من دون تردد أو تساؤل. والنخبة المثقفة القادرة على النقد والتقييم, منصرفة إلى شؤونها, لا يهمها إلا ما يمس مصالحها مباشرةً, فالمثقف ينتظر من أصدقائه الإطراء والمديح ومن أعدائه الذم والقدح. وبهذا, فإنه لا يشعر بمسؤولية ثابتة, ولا يخضع لمقاييس موضوعية ملزمة. والعكس هو الواقع, فهو يشعر بأنه حر طليق من أي التزام, وأن كل الأمور سواء. وليس من المستغرب والحالة هذهِ أن تنخفض نوعية إنتاج مثقفينا إلى درجة الإسفاف, مما يفرض علينا سلطة الفكر الأجنبي(الغربي) الذي يبقى المحك الأخير للقيم التي نعجز عن تحقيقها. إن وضع المثقف بالنسبة إلى مواهبه, كوضع مجتمعنا بالنسبة إلى موارده: يهدرها, ولا يستثمر منها إلا الجزء الصغير”(المرجع السابق, نفس الصفحة).

وفي كتابه (أوهام النخبة) يتحدث علي حرب عن الفرق بين المثقف العربي والمثقف الغربي وعلاقتهما بالتنوير:

“وإذا كان هذا شأن المفكر الغربي في علاقته بعقله وأنواره, لا يتوقف عن النقد المنتج الفعَّال, أي عن التنوير المستمر, فما هو شأن المثقف العربي في هذا الخصوص؟ لا شك أيضاً أن المثقف العربي يقدم نفسه دوماً بوصفه من دعاة التنوير, بل هو لا يتوقف عن المناداة بالتنوير كسبيل إلى التحرر أو كمظهر من مظاهر التحديث والتغيير. غير أن المثقف العربي يقف من التنوير نفس الموقف الذي يقفه من بقية الشعارات الحديثة, كالعقلانية والعلمانية والديمُقراطية, فضلاً عن الحداثة نفسها. وأعني بذلك أن علاقته بالتنوير ليست علاقة إنتاج وإبداع بقدر ما هي علاقة ترويج ودفاع. فهو مجرَّد داعية للتنوير, في حين أن المثقف الغربي هو من صنَّاع التنوير”(حرب,ص77-78).

ويواصل حرب حديثه عن التنوير وأن الممارسة التنويرية لا تتوقف عند عصر معين أو حقبة زمنية محددة, وتلك الممارسة أيضاً ليست موقوفة على شكل من أشكال العقلانية, وذلك لارتباط التنوير بالنقد, فالنقد يطال جميع الأعمال أو المحاولات التي تركها كبار المفكرين, وعندما يُعاد ابتكار المفاهيم المتعلقة بالتنوير والعقل النقد, فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى تغير علاقتنا بها وطريقة التعاطي معها, حينئذ لا يصبح التنوير مجرد معرفة ينبغي استكمالها أو إرث ينبغي العمل على إحيائه, وإنما يصبح تجربة لا تكتمل ورؤية مثقوبة فيها دوماً ما لا يُرى, لذا نجد أن خطاب التنوير دائماً ما يبرز في الساحة الثقافية في كل المجتمعات, فيتم مثلاً توسيع هذا الخطاب ومد سلطة العقل إلى مناطق جديدة, أو بنقد هذا الخطاب وتفكيكه, وهكذا نجد أن عملية التنوير عملية نقدية مستمرة بلا توقف(نفس المرجع, ص78-79).

وعن دور المثقف (المثقف العربي خصوصاً) في التنوير والتثقيف, يقول حرب:

“إن المثقف فقد مصداقيته وفاعليته, وبات أعجز من أن يقوم بتنوير الناس وتثقيفهم, بل هو الذي أصبح يحتاج إلى أن يتنوَّر ويعيد تثقيف نفسه, بنقد دوره وتفكيك خطابه عن العقل والاستنارة والتحرر, وذلك لتعرية الأوهام التي انبنت بها مقولاته ووجَّهت ممارساته, والتي أنتجت كل هذا الهزال المعرفي والوجودي الذي آل إليه وضع المثقفين اليوم, خصوصاً في العالم العربي”(نفس المرجع, ص83).

والمتأمل في أعمال المثقفين في العالم العربي سيجد الغالب هو التوظيف الأيديولوجي الذي يكاد يطغى على أعمالهم وكتاباتهم, يقول د.حسن مسكين:

“مما يميز سيرة النخب العربية المثقفة, يمينها ويسارها ووسطها هذا الاستعلاء والاحتكار والتوظيف المسرف للايديولوجيات في إنزال ما تراه حقاً مطلقاً على الواقع العربي والإسلامي, وإخضاع شعوبه وتدجينها لتكون في كل الحالات تابعة مسيَّرة باسم ما تعتبره هذه الاتجاهات سلطة النخبة التي تملك الحق في الزعامة والقيادة والتوجيه”(مسكين, ص53).

وعن علاقة المثقف العربي بالواقع وهموم مجتمعه يؤكد مسكين على أنه بعيدٌ عنها كل البعد, فيقول:
“كما يجب التأكيد أن المثقف العربي كثيراً ما حلق خارج مدار الواقع, مما أحال كثيراً من نتاجاته الفكرية إلى نظريات مثالية أو طوباوية, لم تأت أكلها, ولم تساهم في عملية التنمية المنشودة إلا بنسبة ضئيلة جداً, ولهذا فالمثقف العربي مدعو الآن إلى إعادة النظر في دوره, ووظيفته في التغيير”(نفس المرجع, ص30)

*الإنسانية:

إن الإنسانية عندما تكون هي المبدأ فإن نتاجها يكون إما الحب وإما الرحمة, وفي كليهما يسود السلام والخير, ويغيب العداء والشر, وإن من يتأمل التاريخ والحاضر سيدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن شروحات مذاهب معظم الأديان لم تستطع أن تجمع بني الإنسان وتؤلِّف بين قلوبهم. لو أخذنا على سبيل المثال السنة والشيعة, سنجد أنهم يتفقون جميعاً على أركان الإسلام الخمسة, وربهم ورسولهم وكتابهم واحد, ورغم كل ذلك لا يزال العداء والبغضاء بينهم بل وتنتقل من جيل إلى جيل!

وكذلك الطوائف المسيحية من كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت, لا زالت كل طائفة منهم ترى أنها الممثل الحقيقي لكنيسة المسيح.

وتشترك الأديان مع الإنسانية في أنها تحث على المحبة والرحمة, لكن الفرق بينهما أن الإنسانية تكون رحمتها ومحبتها شاملة للجميع دون استثناء, بينما الأديان تجعل المحبة والرحمة مقتصرة على أتباع كل دين, فبعض الفقهاء يرى أن المسلم لا ينبغي أن يحب غير المسلم لأنه يكون قد أخلَّ بعقيدة (الولاء والبراء), كذلك المسيحي واليهودي وغيرهم ينهجون ذات النهج.

لذا فإن العالم اليوم لم يعد بحاجة لما يُسمَّى بـ(حوار الأديان), فالمسلم لن يقبل بأن يسوع هو الإله, والمسيحي لن يؤمن بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسول, وهكذا مع بقية الأديان, فما الفائدة من الحوار في أمور هي من اختصاص الخالق وهو من يحاكم البشر عليها إن أحسنوا أو أساءوا قال تعالى (لكم دينكم وليَ دين) انتهت المسألة.

وحدها الإنسانية القادرة على ترسيخ مبادئ المحبة والسلام والتعايش, وإن كان من السهل أن تخضع الأديان لعملية الأدلجة, فلا أعتقد أنه من السهل أن تخضع الإنسانية لها, فسموها ورقيها والفطرة المودَعة في النفس الإنسانية جميعها عوامل تحول دون ذلك. وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تقوم الأديان بإعادة الإنسان إلى إنسانيته, أصبحت هي من يقف خلف كل مظاهر الإرهاب والتدمير والإجرام بفعل عقول سيَّست الدين وحوَّلته إلى أيديولوجيا قاتلة.

*”لا تدخلون الجنة حتَّى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا” محمد صلى الله عليه وسلم.
“تحب قريبك كنفسك” عيسى عليه الصلاة السلام.
هذهِ هي تعاليم الرسل والأنبياء عليهم السلام, جعلوا الإنسانية البناء والأساس وما سواها فروع تستمد قداستها من قداسة هذا الإنسان الذي يستمد قداسته من النفخة الإلهية ومن سجود الملائكة عليهم السلام لأبي البشر آدم عليه السلام.
لكن رجال الدين بعد ذلك حرَّفوا مبادئ الأنبياء والرسل, فجعلوا الإنسان بلا قيمة ولا كرامة سوى بدين أو عقيدة من خلالها يتحدَّد مصيرك إما أن تستحق الحياة وإما الموت!
“لم يسبق لفيلسوف أن قتل رجل دين, لكن رجل الدين قتل الكثير من الفلاسفة” دنيس ديدرو.

ومن حكمة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رحمه الله إدراكه لقيمة الإنسان بعيداً عن كل المعتقدات الدينية, إلى درجة أنه يرى ويعتقد أن الدول تضعف وتسقط أو تقوى وتقوم من أجل هذا الإنسان!
فيقول رحمه الله: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة, ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة”.

*دور التعليم:
مناهجنا الدينية تحتاج إلى تطعيمها بلقاح الحب، ليكون مصلاً يحمي أبناءنا من مرض التطرف, مجتمعنا يحتاج إلى محاضرات وندوات عن الحب أكثر من حاجته إلى المحاضرات الدينية التي تشبَّع بها في المنزل والمدرسة والمسجد, ولا سبيل لذلك سوى بإحلال مفهوم الإنسانية وترسيخه في النفوس, فلا طريق للحب سوى بإدراك معنى الإنسانية, في هذه المرحلة وهذا الوقت نحن بحاجة دروس في الإنسانية وأصولها.

إذا أردنا أن نبني مجتمعاً سليماً ومستقراً, يجب أن يتعلَّم أبناؤنا في المدارس لغة الحب, يجب أن نُعيد النظر في بعض النصوص في المناهج الدينية, كالتي تتحدَّث عن القتال والجهاد وأحكام الردة, فمثل تلك النصوص يجب أن يتم إفهام الطلاب أنها في سياقها التاريخي فقط, نظراً لخضوعها لظروف وعوامل استثنائية في تلك الحقبة, كذلك المسائل نحو مسألة السلام على المسلم وغير المسلم وأحكامها, يجب أن يفهم الطلاب أنها في سياقها الديني ولا ينبغي أن تنزل للواقع الاجتماعي, لأن تلك المفاهيم تعمل على تكريس الكراهية في نفوس الأجيال, وبدلاً عن ذلك يجب أن تسود في مناهجنا القيم الإنسانية النبيلة وتُرسَّخ في عقول الطلاب, فالمدرسة والتعليم هما المفتاح والطريق للمدينة الفاضلة كما يرى الفيلسوف برتراند راسل.

دعونا نتساءل ولنكن واقعيين, عندما يدرس أبناؤنا تلك المسائل, كيف ستكون نظرتهم للآخر؟ هل سيتعودون على تقبل الآخر؟ هل ستنمو لديهم مشاعر الحب والسلام تجاه الإنسان الآخر؟ لا أعتقد ذلك, لأننا بتلك الطريقة سنصنع لديهم ازدواجية في تعاملهم مع الآخر, سنعلمهم طريقة العيش مع الآخرين وفق مقاييس معينة قد لا تتوافر لدى الكثير من الشعوب الأخرى التي سيلتقون بها ويعايشونها خلال مسيرة حياتهم.

إننا من خلال تعليمنا لأبنائنا تلك المسائل, نكون قد شوَّهنا الفطرة الإنسانية لديهم المتمثلة في تقبل الآخرين ومحبتهم دون الالتفات لأديانهم أو إثنياتهم, ويصبح ذلك الطالب وتلك الطالبة يعيشون حياتهم بازدواجية, وكأني بذلك الطالب المسكين يتساءل: عندما أتعامل مع إنسان غير مسلم هل أعامله وفقاً لإنسانيتي وأكون حينها قد أسأت لديني؟ أم هل أعامله وفقاً لديني وأكون حينئذ قد أسأت لإنسانيتي؟
وكأننا بذلك نجعل من الدين عدواً للإنسانية!
هذا فيما يخص تأثير التعليم في بناء إنسان متسامح ومتقبل للآخرين أو متقوقع على بيئته ورافض للآخر.

أما فيما يخص التعليم وعلاقته بالتنمية والتقدم في المجتمع العربي, يتحدث د.حسن مسكين في خاتمة كتابه (أزمة النخب العربية) عن ملامح الضعف في الجامعات العربية من حيث نتاجها المعرفي والعلمي والناتج بدوره عن جملة من الأسباب منها غياب المناخ الديمُقراطي وتراجع الحريات وتهميش دور الجامعات كعامل رئيسي من عوامل التنمية الشاملة.
ثم يذكر المعضلات التي يواجهها التعليم في الجامعات العربية والمتمثلة في مجموعة من الإصلاحات المزعومة التي لا تعدو عن كونها مجرد ترميم مظهري واهتمام بالصورة الخارجية فقط دون الدخول في عمق المشكلة وتحديدها بدقة ثم اعتماد خطط ومشاريع وبرامج واقعية تناسب البيئة العربية، بحيث لا تكون مستنسخة من مجتمعات أخرى تختلف عن البيئة والثقافة العربية، وأن تُحدَّد الأهداف المرجوة من هذه الجامعات والمؤسسات العلمية من خلال علاقتها بالكيف وليس بالكم.

بعد ذلك يقدم المؤلف اقتراحاً يحوي عدد من النقاط ذات الأهمية لكل محاولة تنشد الإصلاح في التعليم وغيره:
1.تغيير النظرة السائدة التي ترى أن الثقافة مجرد ترف فكري, من خلال التأكيد على أهميتها في مسيرة التنمية.
2.إشراك جميع الطاقات والمؤسسات والمنظمات في رسم السياسات الثقافية والتعليمية.
3.وجود إعلام هادف بدلاً من الإعلام القائم على الدعاية والاستهلاك, وتجسيد مبدأ الحرية في المعرفة والثقافة والإعلام.
4.إعادة النظر في تصوراتنا للمفاهيم الكبرى مثل: الهوية, الخصوصية, الأنا, الآخر, الحداثة, النهضة. من خلال مراعاة الواقع والحاضر والمستقبل, بدلاً من الاكتفاء بالتصورات التاريخية القديمة.
5.أن تقوم المشاريع على وقائع وإحصاءات دقيقة ومضبوطة وحقيقية, دون أي تزييف أو توجيه يكون في خدمة فئات انتهازية.
ويؤكد د.مسكين على أهمية الدور السياسي ومسؤوليته في التغيير من خلال إعطاء الحرية للشعوب لكي تتمكن من إبراز طاقاتها فتبدع وتنتج، وحينئذ تتمكن الشعوب العربية من صناعة تاريخها وبناء حضارتها (167-171).

 

المراجع:

1.القرآن الكريم.

2.السعدي, أبو عبدالله عبدالرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. بيروت: المكتبة العصرية.2009م.

3.الكتاب المقدس.

4.مارش, وليم. السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم(شرح سفر التكوين).

5.المنذري, زكي الدين عبدالعظيم. مختصر صحيح مسلم. بيروت: دار الكتاب العرب.2014م.

6.مجموعة مقالات للكاتب.صحيفتي ايلاف وأنحاء الإلكترونيتين (بتصرف)

7.حرب, علي.أوهام النخبة أو نقد المثقف.ط3.المغرب: المركز الثقافي العربي.2004م.

8.شرابي, هشام.مقدمات لدراسة المجتمع العربي.ط3.لبنان: الدار المتحدة للنشر.1984م.

9.مسكين, حسن.أزمة النخب العربية.ط1.لبنان: مؤسسة الرحاب الحديثة.2012م.

10.روسو, جان جاك.دين الفطرة(عقيدة القس من جبل السافوا).ترجمة عبدالله العروي.ط1. المغرب: المركز الثقافي العربي.2012م.

11.Locke, John.(1990).A Letter Concerning Toleration.Prometheus Books:Amherst,New York.

12.Feuerbach, Ludwig.(2012).The Essence Of Christianity. Digireads:USA.

فيسبوك

قد يعجبك أيضاً

هاني الظاهري يكشف حكاية فتح وزير خارجية #قطر الشامبانيا لبعض أعضاء الكونجرس في سهرة سريّة..

بقلم: هاني الظاهري على الرغم من الارتماء الرومانسي