المعلم الفرنسي هوبير وحجر #تيماء بين غاية الاكتشاف ولعنة السرقة!

المعلم الفرنسي هوبير وحجر #تيماء بين غاية الاكتشاف ولعنة السرقة!

- ‎فيبانوراما
275

يقال إن الرحالة الوحيد الذي لم يكن جاسوساً أو راهباً مندساً ليتوغل أرض جزيرة العرب، هو الفرنسي شارل أوغست هوبير، والذي كان معلماً انتدبته وزارة الثقافة الفرنسية في القرن التاسع عشر لاستكشاف التيبت وأفغانستان وبلاد فارس، ولكنه ذهب إلى الجزيرة العربية بعد أن تعلم اللغة العربية في شمال أفريقيا ودمشق، فمن أرسله يا ترى؟ لكن الشاهد أن رحلته إلى حائل وشمال المدينة المنورة نتج عنها الكثير من الكتابات، من ضمنها تفاصيل دقيقة عن آثار جزيرة العرب، تعود لفترات تاريخية غير متوقعة، والأهم أنه توج رحلته باكتشافه حجر تيماء الشهير القابع الآن في متحف اللوفر الفرنسي.

تيماء بطليموس

من أهم وأمتع كتب الرحلات كتاب «رحلة في الجزيرة العربية الوسطى» لعالم الساميات الفرنسي شارل هوبير، وعلى الرغم من أنه لم يتسن للعرب قراءته إلا بعد ترجمته في لبنان عام 2003م، لكننا اكتشفنا أخيراً ما فيه من وصف دقيق للقرى والوديان والواحات والصحاري في الجزيرة العربية، تلك التي مر بها هوبر بين عامي 1882 و1884م، ما دعاه إلى أن يكتب وبالتفصيل عن المسافات بينها بالمتر والكيلو متر، إلى جانب ملامسته معيشة الناس والأرض والأمراض والحياة الطبيعية من مناخ وزراعة، مطلعاً على العادات والتعليم، فمنذ أن تم تكلفيه بمهمته العلمية تلك، قام ورتب خريطته وبرنامجه للوصول إلى الجوف، مروراً بقرية الكاف وصحراء النفوذ، واصفاً الجبال والتلال والآبار وكل انعطافاته مع خادم وأدلاء يرافقونه في الطرق بين الصخور والرمال والأفلاج. وهكذا حتى وصوله إلى حائل معقل ومقر شمر، وما يهمنا اليوم هي تيماء كونها أقدم قرية آنذاك، في حين كان يعلم هوبير أن المؤلفين القدماء من الشرق كتبوا أنها مدينة مهمة وعريقة، ومنهم بطليموس.

مقاربة

يذهب هوبير إلى جنوب غربي تيماء على مسافة كيلو متر واحد، ليجد كومة أطلال من الحجارة وقطعاً من الأعمدة التي غطت الرمال منتصفها، وقدر هوبير بأنها توما كما أشار لها الإنجيل، فجاء على ذكرها كونها مدينة مهمة وعريقة، وكما يعرف هوبر مُسبقاً أن تيماء كانت مبنية في الأصل من أحجار بازلتية سوداء، شبيهة بمدن سهل حوران وجبل العرب المهدمة في سوريا، فقام أثناء بحثه وتنقيبه بإيجاد مبنى قديم ومهدم ملاصق لبيت عبدالعزيز العنقري، الذي نُصب في تيماء وقتها، ليلاحظ كيف أن جزءاً من سقفه مصنوع من نبتة «أرطة» طويلة فوق الحجر نفسه تماماً، كما في حوران، والأرطة نبات مشهور من البيئة السعودية، وهي من فصيلة الطحالب.

سحر يأخذ إلى الموت

في ذلك المنحدر كان يعلم هوبير وحسب اطلاعه وقراءاته بأن تلك الأعمدة كانت مدورة يوماً رغم أنه «المنحدر» في ذلك اليوم أصبح بمستوى الأرض، لكنه وجد حائطاً بمظهر جديد ومختلف، وأمام تلك الأطلال استدل على أنها مدينة كانت مهمة يوماً كما قرأ، وهو ما أودى به نحو اكتشاف حجر رملي طولي مستطيل، وكان ذلك عام 1884م وهو المعروف اليوم باسم حجر تيماء المحفور من الأمام بنقش طويل وكتابة باللغة الآرامية.

هذه النقوش والكتابات والوصف باتت من المصادر القيمة للباحثين عن التاريخ القديم للجزيرة العربية وبلاد الرافدين في القرن الخامس والسادس قبل الميلاد، بالمقابل اعتبر البعض أن هذا الحجر سحر لا بد من تجنبه، لأنه يودي بمن يحمله إلى الموت.

تجميع النقوش

لم يستمع شارل هوبير لأحد، فهو قادم من الجمعية الجغرافية الفرنسية التي دعمته بالمال والخرائط، وكان اكتشاف المنطقة جزءاً من مهامه، ليأتي إلى قرية تيماء التي كانت منذ العصور القديمة مدينة كبيرة تقع عند تقاطع الطرق التجارية للقوافل من جنوب الجزيرة العربية إلى الهلال الخصيب، وليتمكن هوبير وقبل أن يُقتل، من جمع ورسم نقوش عدة من الأصل، منها ما هو في لوح منحوت بزخارف تصويرية، وهي كلها مصادر ومعلومات حيوية حول تاريخ العلاقات بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين.

استغاثة تيماء

المنحوتة المسطحة والمستديرة في جزئها العلوي فيها نص أشبه بالاستغاثة، حروف منحوتة تستغيث بفعل من أتى وهاجم تيماء، وبعد العثور على الحجر في قصر الطليحان بتيماء، الذي كان في الأصل معبداً يخدمه كاهن، تبين أن اسمه أسفل الحجر: يدعى الكاهن سالم، كما تظهر الشخصية العابدة المنقوشة فيه شبيهة برجال بلاد الرافدين وما بين النهرين، مع ذراعيه أمام المذبح، ويرتدي لباساً طويلاً ومخروطياً، فوق رأسه قرص مجنح، ليوحي المشهد بأنه مستوحى من بابل، وبالتحديد إلى نهاية حضارة بابل الجديدة، وبداية الفترة الفارسية الأخمينية.

وكما صرح متحف اللوفر الفرنسي عن مواصفات حجر تيماء أنه يزن 150 كيلوغراماً، وطوله 110 سنتيمترات، وعرضه 43 سنتيمتراً، ويعود تاريخه إلى 2600 عام، وكتب عليه في 23 سطراً، وباللغة الآرامية، وبما معناه ما يلي:

«قد غزا الملك الأكدي تيماء وأراق الدماء وبنى قصراً يشبه قصر بابل ليقيم جنوده فيه، وأودع ثروته فيه، واستخدم الأهالي أسرى، وصادر مواشيهم واستعبد رجالهم ونساءهم وأطفالهم قبل قتلهم… يحملون الطوب والسلال من جراء العمل»، إضافة إلى باقي ما كُتب على هذه المسلة بالقلم الآرامي، وهما أمران رئيسين:

الأول كما تبين لنا هو تنصيب أحد الكهنة في معبد الإله الوثني «صلم» في تيماء. والثاني ينص على التزام المعابد الأخرى بتقديم محصول إحدى وعشرين نخلة ضريبة لمعبده.

ورغم أن سرغون الأكدي، الذي قضى على السومرية قد مضى على غزوه العالم القديم أكثر من 4350 عاماً، لكن الرسومات على المسلة واللسان الآرامي دلت على فترة متقدمة وهي الفترة البابلية.

مصرع هوبير

قام هوبير بنقل حجر تيماء في طريق العودة عام 1884م، ولكن رحلته تحولت إلى مأساة بعد مصرعه قبل وصوله إلى جدة، وكأنه حادث مدبر، لم يُعرف حتى الآن أسبابه الكاملة، فهل هي أسباب سياسية بين الدولة العثمانية وألمانيا؟ أم أنها مجرد حادثة لمجموعة من اللصوص لسلبه ونهبه؟ ليتحدث العامة في ما بعد عن لعنة الحجر المسحور وكيف أودى بسارقه.

في ذلك اليوم، وجده خادمه ممدداً على الأرض في الطريق ومغطى بالبشت العربي، فاعتقده نائماً، حتى لاحظ الدم في رأسه المضروب من جهة اليمين، فهرب الخادم المدعو محمود حتى استطاع الوصول إلى القنصلية الفرنسية في جدة ليخبرهم، وحينها رتبوا له جنازة العودة، مطالبين بالحجر الذي معه، لينقل إلى متحف اللوفر بباريس. والآن، وبعد مرور أكثر من 120 عاماً على وجوده هناك يستطيع أن يزوره أي زائر ويرى الحجر في الطابق الأرضي للمتحف ـ قسم الآثار الشرقية، وبالتحديد في جناح «سولي» الغرفة 19، وقد كُتب أسفله تعريف له كما يلي:

«تيماء، المملكة العربية السعودية

القرن الخامس قبل الميلاد

حجر رملي

بعثة شارل هوبير عام 1884م».

 

*المصدر: البيان

فيسبوك

قد يعجبك أيضاً

في #السعودية.. ماهي المخالفات المرورية التي تستدعي توقيف السيدات في مؤسسة رعاية الفتيات؟

صدر أخيرا قرار مجلس الوزراء في السعودية القاضي